ابن الجوزي
186
صفة الصفوة
خبزك ؟ فقال : دعوني فو اللّه إني لنادم على ما مضى . أبو حفص عمر بن أحمد قال : قال مالك بن دينار : مثل قرّاء هذا الزمان كمثل رجل نصب فخّا ونصب فيه برّة « 1 » فجاء عصفور فقال : ما غيّبك في التراب ؟ قال : التواضع . قال : لأيّ شيء انحنيت ؟ قال : من طول العبادة . قال : فما هذه البرّة المنصوبة فيك ؟ قال : أعددتها للصائمين . فقال : نعم الجار أنت . فلما كان عند المغرب دنا العصفور ليأخذها فخنقه الفخ . فقال العصفور : إن كان العبّاد يخنقون خنقك فلا خير في العبّاد اليوم . جعفر بن سليمان قال : مرّ والي البصرة بمالك بن دينار يرفل « 2 » فصاح به مالك : أقلّ من مشيتك هذه فهمّ خدمه به . فقال : دعوه ، ما أراك تعرفني . فقال له مالك : ومن أعرف بك مني ، أمّا أولك فنطفة مذرة « 3 » وأما آخرك فجيفة قذرة ، ثم أنت بين ذلك تحمل العذرة « 4 » . فنكس الوالي رأسه ومشى . عن جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار أنه كان يرى يوم التروية بالبصرة ويوم عرفة بعرفات . عون بن الحكم عن أبيه عن مالك بن دينار قال : قدمت من سفر لي فلما صرت بالجسر قام العشّار « 5 » فقال لا يخرجنّ من السفينة ولا يقوم أحد من مكانه . فأخذت ثوبي فوضعته على عنقي ثم وثبت فإذا أنا على الأرض . فقال لي : ما أخرجك ؟ قلت : ليس معي شيء . قال : اذهب . فقلت في نفسي : هكذا أمر الآخرة . محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال : سمعت أبي يقول : سمعت مالك بن دينار يقول : عجبا لمن يعلم أن الموت مصيره والقبر مورده كيف تقرّ بالدنيا عينه ؟ وكيف يطيب فيها عيشه ؟ قال : ثم يبكي مالك حتى يسقط مغشيا عليه .
--> ( 1 ) البر : القمح . ( 2 ) رفل في ثيابه : أطالها وجرها متبخترا من باب نصر . والذي يرفل هنا هو والي البصرة . ( 3 ) يقال : مذرت البيضة أي فسدت وبابه طرب . ( 4 ) العذرة : فناء الدار ، سميت بذلك لأن العذرة كانت تلقى في الأفنية . ( 5 ) العشّار الذي يأخذ ضريبة العشر .